علي بن محمد البغدادي الماوردي
319
أدب الدنيا والدين
الجندل وينشقه أحرف من الخردل ويفرغ عليه أحر من المرجل ثم يقول إنما كنت أمازحك . وقال بعض الحكماء : خير المزاح لا ينال وشره لا يقال فنظمه النيسابوري في قصيدته الجامعة للآداب فقال وزاد : شر مزاح المرء لا يقال * وخيره يا صاح لا ينال وقد يقال كثرة المزاح * من الفتى تدعو إلى التلاحي إن المزاح بدؤه حلاوة * لكنما آخره عداوة يحتدّ منه الرجل الشريف * ويجتري بسخفه السخيف وقال أبو نواس خل جنبيك لرام * وامض عنه بسلام مت بداء الصمت خير * لك من داء الكلام إنما السالم من ألج * م فاه بلجام ربما استفتح بالمز * ح مغاليق الحمام والمنايا آكلات * شاربات للأنام واعلم أنه قلما يعرى من المزاح من كان سهلا فالعاقل يتوخى بمزاحه إحدى حالتين لا ثالثة لهما : إحداهما إيناس المصاحبين والتودّد إلى المخالطين وهذا يكون بما أنس من جميل القول وبسط من مستحسن الفعل . وقد قال سعيد بن العاص لابنه : اقتصد في مزاحك فإن الإفراط فيه يذهب البهاء ويجرئ عليك السفهاء وان التقصير فيه يفض عنك المؤانسين ويوحش منك المصاحبين . والحالة الثانية أن ينفي بالمزاح ما طرأ عليه من سأم وأحدث به من هم فقد قيل : لا بدّ للمصدور أن ينفث . وأنشدت لأبي الفتح البستي : أفد طبعك المكدود بالجدّ راحة * يجم وعلله بشيء من المزح ولكن إذا أعطيته المزح فليكن * بمقدار ما يعطى الطعام من الملح وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يمزح على هذا الوجه روي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إني